محمد حسين الذهبي

473

التفسير والمفسرون

ومنها ما رزقه العبد لنفسه وهو الحرام ، وهذه الآية ناعية عليهم هذا الشرك الخفي لو سمعوا « أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ » ؟ « 1 » ا ه . وإنا لنرى ابن المنير يعتمد في حملاته الساخرة القاسية التي يحملها على الزمخشري ، على ما يعتمد عليه الزمخشري في حملاته على أهل السنة ، أو على الأصح ، يأخذ من كلام الزمخشري نفسه ما يبرر به موقفه الذي وقفه منه للرد على اعتزالاته ، فحيث يقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى في الآية ( 73 ) من سورة التوبة « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » : « جاهد الكفار » بالسيف « والمنافقين » بالحجة « وأغلظ عليهم » في الجهادين جميعا ولا تحابهم . وكل من وقف منه على فساد في العقيدة فهذا الحكم ثابت فيه ، يجاهد بالحجة ، وتستعمل معه الغلظة ما أمكن . . . » « 2 » عندما يقول الزمخشري هذا ، ويرمى من ورائه إلى أن الآية شاملة لخصومه من أهل السنة ، نرى ابن المنير يستغل هذا الكلام لنفسه ويقلبه على خصمه المعتزلي فيقول : الحمد للّه الذي أنطقه بالحجة لنا في إغلاظ عليه أحيانا « 3 » . وقد تبدو على ابن المنير علائم البشر ، وتأخذه نشوة الفرح والسرور ، عندما يرى أن الزمخشري قد ابتعد عن متطرفى المعتزلة ، وخالفهم في بعض آرائهم ، وأخذ برأي أهل السنة . ومثل هذا نراه واضحا عندما فسر الزمخشري قوله تعالى في الآية « 185 » من سورة آل عمران « كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ » حيث قال في تفسير هذه الآية : ( فإن قلت ) كيف اتصل به - أي بقوله كل نفس ذائقة الموت - « وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ » ( قلت ) اتصاله به على أن كلكم تموتون ، ولا بد لكم من الموت ، ولا توفون

--> ( 1 ) الانتصاف هامش الكشاف ج 1 ص 581 . ( 2 ) الكشاف ج 1 ص 516 . ( 3 ) الانتصاف هامش الكشاف ج 1 ص 561